كتاب: فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير **

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير **


قال بعضهم‏:‏ الحكمة حياة النفوس وزراعة الخير في القلوب ومثيرة الحظ وحاضرة الغبطة وجامعة السرور ولا يخبو نورها ولا يكبو زنادها، الحكمة حلية العقل وميزان العدل ولسان الإيمان وعين البيان وروضة الآداب ومزيل الهموم عن النفوس وأمن الخائفين وأنس المستوحشين ومتجر الراغبين وحظ الدنيا والآخرة وسلامة العاجل والآجل‏.‏

- ‏(‏عد حل‏)‏ من حديث عمرو بن حمزة عن صالح عن الحسن ‏(‏عن أنس‏)‏ ثم قال مخرجه أبو نعيم غريب تفرد به عمرو بن حمزة عن صالح انتهى وقال العراقي‏:‏ سنده ضعيف وقال العسكري‏:‏ ليس هذا من كلام الرسول صلى اللّه عليه وسلم بل من كلام الحسن وأنس‏.‏

3828 - ‏(‏الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في العزلة وواحدة في الصمت‏)‏ أخذ منه أنه ينبغي للطالب تجنب العشرة سيما لغير الجنس خصوصاً لمن كثر لعبه وقلت فكرته فإنه من أعظم القواطع والطباع سراقة وآفة العشرة ضياع العمر بلا فائدة أو ذهاب المال والعرض وكذا الدين إن كانت لغير أهله قال الفضيل‏:‏ إذا رأيت أسداً فلا يهولنك وإذا رأيت آدمياً ففر‏.‏ وقال‏:‏ تباعد عن القراء فإن أحبوك مدحوك بما ليس فيك وإن غضبوا شهدوا عليك بما ليس فيك وقبل منهم‏.‏

قال النووي‏:‏ في الحكمة أقوال كثيرة مضطربة اقتصر كل من قابلها على بعض صفاتها وقد صفا لنا منها أنها عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتمل على المعرفة باللّه المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس والأخلاق وتحقيق الحق والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل والحكيم من له ذلك‏.‏

- ‏(‏عد وابن لال‏)‏ في التاريخ ‏(‏عن أبي هريرة‏)‏ قال الذهبي في الزهد‏:‏ إسناده واه‏.‏

3829 - ‏(‏الحلف حنث أو ندم‏)‏ لأنه إما أن يحنث فيأثم لكذب اليمين أو يندم على منعه نفسه مما كان له فعله وقوله لا فعلت ‏[‏ص 417‏]‏ ولأفعلن نوع تأل على اللّه فربما أكذبه بحنث أو عذب قلبه بندم فحق المسلم أن يتحاشى من الحلف فإن اضطر سلك سبيل التعريض وإن بدر منه سهو يتبعه بالاستثناء وقيل‏:‏ العاقل إذا تكلم أتبع كلامه ندماً والأحمق إذا تكلم أتبع كلامه حلفاً وعلامة الكاذب جودة بيمينه بغير مستحلف كما قال بعضهم‏:‏

وفي اليمين على ما أنت واعده * ما دل أنك في الميعاد متهم

- ‏(‏تخ ك‏)‏ في الإيمان ‏(‏عن ابن عمر‏)‏ بن الخطاب رواه البيهقي قال في المهذب‏:‏ وفيه ضعف‏.‏

3830 - ‏(‏الحلف‏)‏ أي اليمين الكاذبة على البيع وفي رواية مسلم اليمين قال الزركشي‏:‏ وهو أوضح وفي رواية أحمد اليمين الكاذبة وهي أصرح ‏(‏منفقة‏)‏ مفعلة من نفق البيع راج البيع راج ضد كسد أي مزيدة ‏(‏للسلعة‏)‏ بكسر البضاعة أي رواج لها ‏(‏ممحقة‏)‏ مفعلة من المحق أي مذهبة ‏(‏للبركة‏)‏ يعني مظنة لمحقها أي نقصها أو ذهابها وحكى عياض ضم أوله وكسر الحاء بصيغة اسم الفاعل قال الزركشي‏:‏ لكن الرواية بفتح أولهما وسكون ثانيهما مفعلة من المحق وأسند الفعل إلى الحلف إسناداً مجازياً لأنه سبب لرواج السلعة ونفاقها وقوله الحلف مبتدأ خبره منفقة وممحقة خبر بعد خبر وصح الأخبار بهما مع أنه مذكر وهما مؤنثان بأنها أما بتأويل الحلف باليمين أو أن لها للمبالغة لا للتأنيث واعلم أن المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ذكر هذا الحديث كالتفسير لآية ‏{‏يمحق اللّه الربا‏}‏ لأن الربا الزيادة فيقال كيف يجتمع المحق والزيادة فبين بالحديث أن اليمين مزيدة في الثمن ممحقة للبركة منه والبركة أمر زائد على العدد وقوله تعالى ‏{‏يمحق اللّه الربا‏}‏ أي يمحق البركة منه وإن بقى عدده كما كان‏.‏ قال الراغب‏:‏ فحق المسلم أن يتحاشى من الاستعانة باليمين في الحق وأن يتحقق قدر المقسم به ويعلم أن الأغراض الدنيوية أخس من أن يفزع فيها إلى الحلف باللّه فإنه إذا قال واللّه إنه لكذا تقديره إن ذلك حق كما أن وجود اللّه حق وهذا الكلام يتحاشى منه من في قلبه حبة خردل من تعظيم اللّه ‏{‏ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلاً‏}‏‏.‏

- ‏(‏ق‏)‏ في البيع ‏(‏د ن عن أبي هريرة‏)‏ واللفظ للبخاري ولفظ مسلم ممحقة للربح‏.‏

3831 - ‏(‏الحليم‏)‏ أي الذي يضبط النفس عند هيجان الغضب ‏(‏سيد في الدنيا سيد في الآخرة‏)‏ الذي وقفت عليه في أصول صحيحة قديمة من تاريخ الخطيب رشيد بدل سيد وذلك لأنه سبحانه أثنى على من هذه صفته في عدة مواضع من التنزيل وقد ارتقى النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذا المقام الغاية التي لا ترتقى لكن إنما يكون الحلم محموداً إذا لم يجر إلى محذور شرعي أو عقلي، روى البغوي في معجمه وابن عبد البر في استيعابه والبزار في مسنده أن النابغة الجعدي أنشد بحضرة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم قصيدته المشهورة حتى وصل إلى قوله‏:‏

ولا خير في حلم إذا لم يكن له * بوادر تحمى صفوه أن يكدرا

فقال‏:‏ أحسنت يا أبا ليلى لا يفضض اللّه فاك‏.‏

- ‏(‏خط‏)‏ في ترجمة محمد بن سعيد البزوري ‏(‏عن أنس‏)‏ وفيه قبيصة ابن حريث قال البخاري‏:‏ في حديثه نظر والربيع بن صبيح أورده الذهبي في الضعفاء ويزيد الرقاشي تركوه ومن ثم قال ابن الجوزي‏:‏ حديث لا يصح‏.‏

3832 - ‏(‏الحمد للّه رب العالمين‏)‏ أي السورة المفتتحة بالتحميد ولذلك سميت الفاتحة ذكره السيد ‏(‏هي السبع المثاني‏)‏ سميت به لأنها تثنى في كل ركعة أي تعاد أو لأنها يثنى بها على اللّه أو غير ذلك ‏(‏الذي أوتيته والقرآن العظيم‏)‏ زيادة ‏[‏ص 418‏]‏ على الفاتحة‏.‏

- ‏(‏خ د عن أبي سعيد بن المعلى‏)‏ بضم الميم وفتح المهملة وشد اللام المفتوحة وقيل الحرث قال ابن عبد البر‏:‏ الأصح الحارث بن نفيع بن المعلى الأنصاري الزرقي‏.‏

3833 - ‏(‏الحمد للّه رب العالمين‏)‏ أي سورتها هي ‏(‏أم القرآن‏)‏ لتضمنها لجميع علومه كما سميت مكة أم القرى ‏(‏وأم الكتاب‏)‏ فيه رد على من كره تسميتها بذلك كالحسن ‏(‏والسبع المثاني‏)‏ قال الزمخشري‏:‏ المثاني هي السبع كما قيل السبع هي المثاني سميت مثاني لأنها تثنى أي تكرر في قومات الصلاة اهـ‏.‏

- ‏(‏د ت عن أبي هريرة‏)‏‏.‏

3834 - ‏(‏الحمد للّه، دفن‏)‏ في رواية موت ‏(‏البنات من المكرمات‏)‏ لآبائهن وعلى وفقه قيل‏:‏ خير البنات من بات في القبر قبل أن يصبح في المهد وأنشدوا‏:‏

القبر أخفى سترة للبنات * ودفنها يروى من المكرمات

أما ترى اللّه تعالى اسمه * قد وضع النعش بجنب البنات

وقيل‏:‏ موت الحرة خير من المعرة‏.‏

- ‏(‏طب عن ابن عباس‏)‏ قال‏:‏ لما عزي النبي صلى اللّه عليه وسلم بابنته رقية ذكره قال الهيثمي‏:‏ وفيه عثمان بن عطاء الخراساني وأورده ابن الجوزي في الموضوعات وتبعه المؤلف في مختصره ساكتاً عليه قال ابن الجوزي‏:‏ وسمعت شيخنا الأنماطي الحافظ يحلف باللّه ما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من هذا شيئاً قط‏.‏ وقال الخليلي في الإرشاد‏:‏ رواه بعض الكذابين من حديث جابر وإنما يروى عن عطاء الخراساني عن أبيه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مرسلاً وعطاء متروك‏.‏

3835 - ‏(‏الحمد‏)‏ للّه ‏(‏رأس الشكر‏)‏ لأن الحمد باللسان وحده والشكر به وبالقلب والجوارح فهو إحدى شعبه ورأس الشيء بعضه فهو من هذا القبيل بعضه وجعل رأسه لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع لها وأدل على مكانها لخفاء الاعتقاد وما في عمل الجوارح من الاحتمال يخالف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن الكل كذا في الكشاف وفي الفائق الشكر مقابلة النعمة قولاً وعملاً ونية وذلك أن يثني على المنعم بلسانه ويدئب نفسه في طاعته ويعتقد أنه ولي نعمته وأما الحمد فالوصف بالجميل على المحمود وهو شعبة واحدة من شعب الشكر وكأنه رأسه لأن فيه إظهار النعمة والنداء عليها ‏(‏ما شكر اللّه عبد لا يحمده‏)‏ لأن الإنسان إذا لم يئن على المنعم بما يدل على تعظيمه لم يظهر منه شكر وإن اعتقد وعمل فلم يعد شاكراً لكون حقيقة الشكر إظهار النعمة كما أن كفرانها إخفاؤها والاعتقاد خفي وعمل الجوارح محتمل بخلاف النطق ذكره السيد‏.‏

- ‏(‏عب هب عن ابن عمرو‏)‏ بن العاص قال المصنف في شرح التقريب‏:‏ رواه الخطابي في غريبه والديلمي في الفردوس بسند رجاله ثقات لكنه منقطع وفي حاشية القاضي منقطع بين قتادة وابن عمرو‏.‏

3836 - ‏(‏الحمد‏)‏ للّه ‏(‏على النعمة أمان لزوالها‏)‏ ومن لم يحمده عليها فقد عرضها للزوال وقلما نفرت فعادت وقال بعض العارفين‏:‏ ما زال شيء عن قوم أشد من نعمة لا يستطيعون ردها وإنما ثبتت النعمة بشكر المنعم عليه للمنعم، وفي الحكم‏:‏ من لم يشكر النعمة فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها وقال الغزالي‏:‏ والشكر قيد النعم به تدوم وتبقى وبتركه تزول وتتحول قال اللّه تعالى ‏{‏إن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم‏}‏ وقال ‏{‏فكفرت بأنعم اللّه فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف‏}‏ وقال ‏{‏ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم وآمنتم‏}‏ وقال ‏{‏لئن شكرتم لأزيدنكم‏}‏ فالسيد الحكيم إذا رأى العبد قام بحق نعمته يمنّ عليه بأخرى ‏[‏ص 419‏]‏ ويراه أهلاً لها وإلا فيقطع عنه ذلك قال إمام الحرمين‏:‏ وشدائد الدنيا مما يلزم العبد الشكر عليها لأن تلك الشدائد نعم بالحقيقة لأنها تعرضه لمنافع عظيمة ومثوبات جزيلة‏.‏

- ‏(‏فرعن عمر‏)‏ بن الخطاب‏.‏

3837 - ‏(‏الحمرة من زينة الشيطان‏)‏ يعني أنه يخيل بها ويدعو لها ويحبها لا أنه يلبسها ولا أنه يتزين بها ولهذا نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن المعصفر للرجال وأعلم أنها زينة الشيطان والتختم بالحديد وأعلم أنه حلية أهل النار أي أنه لهم مكان الحلية سلاسل وأغلال وإلا فأهل النار لا حلى لهم ذكره ابن قتيبة ولذلك تعلق بهذا من ذهب إلى تحريم لبس الأحمر وللسلف فيه سبعة أقوال‏:‏ الأول‏:‏ الجواز مطلقاً الثاني‏:‏ المنع الثالث‏:‏ يحرم المشبع بالحمرة ويحل ما صبغه خفيف الرابع‏:‏ يكره لبس الأحمر لقصد الزينة والشهرة ويجوز في البيوت الخامس‏:‏ يجوز لبس ما صبغ غزله ثم نسج دون ما صبغ بعد نسجه السادس‏:‏ يحرم ما صبغ بالعصفر دون غيره السابع‏:‏ يحرم ما صبغ كله لا ما فيه لون غير أحمر‏.‏

- ‏(‏عب عن الحسن مرسلاً‏)‏ هو البصري وخرجه عنه أيضاً ابن أبي شيبة قال في الفتح‏:‏ ووصله ابن السكن‏.‏

3838 - ‏(‏الحمى من فيح‏)‏ وفي رواية من فوح وفي أخرى من فور ‏(‏جهنم‏)‏ أي من شدة حرها يعني من شدة حر الطبيعة وهو يشبه نار جهنم في كونها معذبة ومذيبة الجسد والمراد أنها أنموذج ودقيقة اشتقت من جهنم يستدل بها على العباد عليها ويعتبروا بها كما أظهر الفرح واللذة ليدل على نعيم الجنة ‏(‏فابردوها‏)‏ بصيغة الجمع مع وصل الهمزة على الأصح في الرواية وروى قطعها مفتوحة مع كسر الراء حكاه عياض لكن قال الجوهري‏:‏ هي لغة رديئة وقال أبو البقاء‏:‏ الصواب وصل الهمزة وضم الراء والماضي برد وهو متعد يقال برد الماء حرارة جوفى وقال القرطبي‏:‏ صوابه بوصل الألف وأخطأ من زعم قطعها ‏(‏بالماء‏)‏ أي أسكنوا حرارتها بالماء البارد بأن تغسلوا أطراف المحموم منه وتسقوه إياه ليقع به التبرد لأن الماء البارد رطب ينساغ بسهولة فيصل بلطافته إلى أماكن العلة فيدفع حرارتها من غير حاجة إلى معاونة الطبيعة قلا تشتغل بذلك عن مقاومة العلة كما بينه بعض الأطباء والمنكر عندهم إنما هو استحمامه بالماء البارد ولا دلالة في الحديث عليه وبذلك يعرف أنه لا حاجة إلى ما تكلفه البعض من جعل اللام في الحمى للجنس وإعادة ضمير ابردوها على الحمى المغبة المندرجة تحت الجنس وبهذا التقرير عرف أن تشكيك بعض الضالين هنا بأن غسل المحموم مهلك وأن بعضهم فعله فهلك أو كاد لجمعه المسام وخنقه البخار وعكسه الحرارة لداخل البدن جهل نشأ عن عدم فهم كلام النبوة‏.‏

- ‏(‏حم خ عن ابن عباس حم ق ن ه عن ابن عمر بن الخطاب ق ت ه عن عائشة حم ق ت ن ه عن رافع بن خديج ق ت ه عن أسماء بنت أبي بكر الصديق‏)‏‏.‏

3839 - ‏(‏الحمى كير من جهنم‏)‏ أي حقيقة أرسلت منها إلى الدنيا نذيراً للجاحدين وبشيراً للمقربين أنها كفارة لذنوبهم أو حرها شبيه بحر كير جهنم ‏(‏فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار‏)‏ أي نصيبه من الحتم المقضي في قوله سبحانه ‏{‏وإن منكم إلا واردها‏}‏ أو نصيبه مما اقترف من الذنوب قال الطيبي‏:‏ وهو الظاهر أي الأول خلاف الظاهر لما يجيء عن ابن القيم قال المصنف‏:‏ أنزل اللّه في الحمى أول الزمان ليذل بها الأسد ثم جعلها في الأرض لتصلح من بدن الإنسان ما فسد‏.‏

- ‏(‏حم‏)‏ وكذا الطبراني والبيهقي في الشعب ‏(‏عن أبي أمامة‏)‏ قال المنذري‏:‏ إسناد أحمد لابأس به وقال الهيثمي‏:‏ فيه أبو الحسين الفلسطيني ولم أر له راوياً غير محمد بن مطرَّف‏.‏

‏[‏ص 420‏]‏ 3840 - ‏(‏الحمى كير من‏)‏ كير ‏(‏جهنم‏)‏ قال بعضهم‏:‏ فيه أن جهنم خلقت وردَّ لمن قال ستخلق ‏(‏فنحوها عنكم بالماء البارد‏)‏ بأن تصبوا قليلاً منه في طوق المحموم أو بأن تغسلوا أطرافه وكيفما كان فيراعى ما يليق بالحال نوعاً وزمناً وسبباً وشخصاً وكيفية والطبيب ينزل الأدوية الكلية على الأمراض الجزئية قال المصنف‏:‏ قد تواتر الأمر بإبرادها بالماء وأصح كيفياته أن يرش بين الصدر والجنب ‏(‏تتمة‏)‏ خرج الترمذي من حديث ثوبان مرفوعاً إذا أصاب أحدكم الحمى وهي قطعة من النار فليطفها عنه بالماء يستنقع في نهر جار ويستقبل جريته وليقل بسم اللّه اشف عبدك وصدّق رسولك بعد صلاة الصبح قبل الشمس ولينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام فإن لم يبرأ فخمس وإلا فسبع وإلا فتسع فإنه لا تكاد تجاوز تسعاً بإذن اللّه تعالى قال الترمذي‏:‏ غريب قال الزين العراقي‏:‏ عملت بهذا الحديث فانغمست في بحر النيل فبرئت منها قال ولده‏:‏ ولم يحم بعدها ولا في مرض موته‏.‏

- ‏(‏ه عن أبي هريرة‏)‏‏.‏

3841 - ‏(‏الحمى كير من جهنم وهي تصيب المؤمن من النار‏)‏ أي نار جهنم فإذا ذاق لهيبها في الدنيا لا يذوق لهب جهنم في الأخرى قال الزين العراقي‏:‏ إنما جعلت حظه من النار لما فيها من الحر والبرد المغير للجسم وهذه صفة جهنم فهي تكفر الذنوب فتمنعه دخول النار قال المصنف‏:‏ هي طهور من الذنوب وتذكرة للمؤمن بنار جهنم كي يتوب لها منافع بدنية ومآثر سنية فإنها تنقي البدن وتنقي عنه العفن رب سقم أزلي ومرض عولج منه زماناً وهو ممتلئ فلما طرأت عليه أبرأته فإذا هو منجلي وربما صحت الأجساد بالعلل وذكروا أنها تفتح كثيراً من السدد وتنضح من الأخلاط والمواد ما فسد وتنفع من الفالج واللوقة والتشنج الامتلائي والرمد‏.‏

- ‏(‏طب عن أبي ريحانة‏)‏ شمعون قال الهيثمي كالمنذري‏:‏ فيه شهربن حوشب وفيه كلام معروف قال ابن طاهر إسناده‏:‏ فيه جماعة ضعفاء‏.‏

3842 - ‏(‏الحمى حظ أمتي‏)‏ أي أمة الإجابة ‏(‏من جهنم‏)‏ قال ابن القيم‏:‏ ليس المراد أنها هي نفس الورود المذكور في القرآن لأن سياقه يأتي حمله على الحمى قطعاً بل إنه تعالى وعد عباده كلهم بورودهم النار فالحمى للمؤمن تكفر خطاياه فيسهل عليه الورود فينجو منها سريعاً‏.‏

- ‏(‏طس عن أنس‏)‏ قال الهيثمي‏:‏ فيه عيسى بن ميمون ضعفه جمع وقال ابن الفلاس‏:‏ صدوق كثير الخطأ والوهم متروك الحديث‏.‏

3843 - ‏(‏الحمى تحت الخطايا‏)‏ أي تفتتها ‏(‏كما تحت الشجرة ورقها‏)‏ شبه حال الحمى وإصابتها للجسد ثم محو السيئات عنه سريعاً بحالة الشجرة وهبوب الرياح الخريفية وتناثر الأوراق منها سريعاً وتجردها عنها سريعاً فهو تشبيه تمثيلي لانتزاع الأمور المتوهمة في المشبه به فوجه التشبيه أن الإزالة الكلية على سبيل السرعة لا الكمال والنقصان لأن إزالة الذنوب عن سبب الإنسان كماله وإزالة الأوراق عن الشجر سبب نقصه‏.‏

- ‏(‏ابن قانع‏)‏ في المعجم ‏(‏عن أسد‏)‏ بلفظ الحيوان المفترس هو ابن كرز بن عامر بن عبيد اللّه القشيري جد خالد أمير العراق قال الذهبي‏:‏ له صحبة‏.‏

3844 - ‏(‏الحمى رائد الموت‏)‏ أي رسوله الذي يتقدمه كما يتقدم الرائد قومه فهي مشعرة بقدومه فيستعد صاحبها له بالمبادرة إلى التوبة والخروج من المظالم والاستغفار والصبر واعداد الزهد وهذا المعنى لا ينافيه عدم استلزام كل حمى للموت لأن الأمراض كلها من حيث هي مقدمات للموت ومنذرات به وإن أفضت إلى سلامة جعلها اللّه تذكرة لابن آدم ‏[‏ص 421‏]‏ يتذكر بها الموت وقد خرج أبو نعيم عن مجاهد ما من مرض يمرضه العبد إلا رسول ملك الموت عنده حتى إذا كان آخر مرض يمرضه أتاه ملك الموت فقال‏:‏ أتاك رسول بعد رسول فلم تعبأ به وقد أتاك رسول يقطع أثرك من الدنيا فوضح أن الأمراض كلها رسل للموت بمعنى أنها مقدمات ومنذرات به إلى أن يجيء في وقته المقدر فليس شيء من الأمراض موجباً للموت بذاته ‏(‏وسجن اللّه في الأرض‏)‏ هذا قد تولى النبي شرحه في الحديث بعده ولا عطر بعد عروس وهذا الحديث قد صار من الأمثال وكان الحسن البصري يدخله في قصصه ويقول‏:‏ قال صلى اللّه عليه وسلم الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر فالمؤمن يتزود والكافر يتمتع واللّه إن أصبح مؤمن فيها إلا حزيناً وكيف لا يحزن من جاءه عن اللّه عز وجل أنه وارد جهنم ولم يأته أنه صادر عنها‏.‏

- ‏(‏ابن السني وأبو نعيم‏)‏ كلاهما ‏(‏في‏)‏ كتاب ‏(‏الطب‏)‏ النبوي ‏(‏عن أنس‏)‏ وكذا رواه القضاعي في الشهاب ورواه العسكري وزاد بيان السبب فقال‏:‏ لما افتتح المصطفى صلى اللّه عليه وسلم خيبر وكانت مخضرة من الفواكه فوقع الناس فيها فأخذتهم الحمى فشكوا ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ أيها الناس الحمى رائد الموت وسجن اللّه تعالى في الأرض وقطعة من النار‏.‏

3845 - ‏(‏الحمى رائد الموت وهي سجن اللّه في الأرض للمؤمن يحبس به عبده إذا شاء ثم يرسله إذا شاء ففتروها بالماء‏)‏ قال الزمخشري‏:‏ الرائد رسول القوم الذي يرتاد لهم مساقط العشب والكلأ فشبه به الحمى كأنها مقدمة الموت وطليعة لشدة أمرها تقول العرب الحمى أخت الحمام‏.‏

- ‏(‏هناد في‏)‏ كتاب ‏(‏الزهد وابن أبي الدنيا‏)‏ أبو بكر القرشى ‏(‏في‏)‏ كتاب ‏(‏المرض والكفارات هب عن الحسن مرسلاً‏)‏ وهو البصري‏.‏

3846 - ‏(‏الحمى حظ كل مؤمن من النار‏)‏ أي أنها تكفر ما يوجب النار ذكره المؤلف أي هي سوط الجزاء الذي أهل الدنيا بأجمعهم مضربون به ومنهل التهجم الذي أجمعهم واردونه من حيث لا يشعر به أكثرهم انتهى‏.‏

- ‏(‏البزار‏)‏ في مسنده ‏(‏عن عائشة‏)‏ قال المنذري‏:‏ إسناده حسن وقال الهيثمي‏:‏ فيه عثمان بن مخلدة ولم أجد من ذكره‏.‏

3847 - ‏(‏الحمى حظ المؤمن من النار يوم القيامة‏)‏ أي أنها تسهل عليه الورود حتى لا يشعر به أصلاً ‏.‏

قال المصنف‏:‏ مما ينفع تعليقه للحمى السمك الرعد وعظمة جناح الديك اليمنى والطويل العنق من الجراد وورد أن من كانت له حمى يوم كتب له براءة من النار وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وستر عليه الستار‏.‏

- ‏(‏ابن أبي الدنيا‏)‏ أبو بكر القرشي ‏(‏عن عثمان‏)‏ بن عفان ورواه عنه أيضاً العقيلي في الضعفاء باللفظ المزبور ولهذا الحديث طرق متعددة متكثرة لا تخفى على من له أدنى ممارسة للحديث ومن العجائب قول ابن العربي في شرح الترمذي قد قال بعض الغافلين إن الحمى حظ المؤمن من النار وهو مستثنى من هذا قال‏:‏ وهذا غفلة عظيمة لا بد لكل أحد من الصراط فتلفح النار قوماً وتقف دون آخرين والكل وارد عليها إلى هنا كلامه‏.‏

3848 - ‏(‏الحمى حظ كل مؤمن من النار‏)‏ لأن المؤمن لا ينفك عن ذنب فتعجل عقوبته لطفاً به ليلقى ربه طيباً كما قال‏:‏ ‏{‏الذين تتوفاهم الملائكة طيبين‏}‏ ‏(‏وحمى ليلة تكفر سنة مجرمة‏)‏ بضم الميم وفتح الجيم وشدَ الراء يقال سنة مجرمة بالجيم أي تامة كذا في مسند الفردوس وذلك لأنها تهد قوة سنة فقد قال بعض الأطباء‏:‏ من حم يوماً لم تعاوده قوته إلى سنة فجعلت مثوبته على قدر رزيته وقيل‏:‏ لأن للإنسان ثلاث مئة وستين مفصلاً وهي تدخل في الكل فيكفر عنه ‏[‏ص 422‏]‏ فكل مفصل ذنوب يوم وقيل‏:‏ لأنها تؤثر في البدن تأثيراً لا يزول بالكلية إلا إلى سنة وكان أبو هريرة يقول‏:‏ أحب الأوجاع إليَّ الحمى لأنها تعطي كل مفصل حقه من الأجر بسبب عموم الوجع قال العراقي‏:‏ وقد أفاد هذا الخبر وما أشبهه كالخبر المار في إذا مرض العبد ثلاثة أيام أن المرض صالح لتكفير الذنوب فيكفر اللّه به ما يشاء منها ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة المرض وخفته‏.‏

- ‏(‏القضاعي‏)‏ في مسند الشهاب وكذا الديلمي ‏(‏عن ابن مسعود‏)‏ وأعله ابن طاهر بالحسن بن صالح وقال‏:‏ تركه يحيى القطان وابن مهدي فقول شارحه العامري إنه صحيح خطأ صريح‏.‏

3849 - ‏(‏الحمى شهادة‏)‏ أي الميت بها يموت شهيداً ولما نظر جماعة من السلف ما ورد فيها عن طائفة من الصحابة بملازمة الحمى لهم إلى توفيها وممن دعى بذلك سعد بن معاذ وكذا أبيّ دعى على نفسه أن لا يفارقه الوعك حتى يموت ولا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد ولا صلاة جماعة فما مس رجل جلده بعدها إلا وجد حرها حتى مات وقد قال بعض من اقتقى آثارهم وتدثر بدثارهم‏:‏

زارت ممحصة الذنوب لصبها * أهلا بها من زائر ومودع

وقالت وقد عزمت على ترحالها * ماذا تريد فقلت أن لا تقلعي

- ‏(‏فر عن أنس‏)‏ وفيه الوليد بن محمد الموقري قال الذهبي في الضعفاء‏:‏ كذبه يحيى انتهى ورواه عنه الخطيب أيضاً في التاريخ‏.‏

3850 - ‏(‏الحمام‏[‏هو الحمام في السوق، وذلك إذا كان فيه كشف عورات أو غيره من المنكرات‏.‏ دار الحديث‏]‏ حرام على نساء أمتي‏)‏ أي دخولها لغير عذر شرعي كحيض ونفاس وبهذا أخذ بعض العلماء وذهب الأكثر إلى أن دخولها لهن مكروه تنزيهاً نزلوا الحديث على ما إذا كان فيه كشف عورات أو غيره من المنكرات‏.‏

- ‏(‏ك‏)‏ في الأدب ‏(‏عن عائشة‏)‏ دخل عليها نسوة فقالت‏:‏ من أنتن‏؟‏ قلن‏:‏ من حمص‏.‏ قالت‏:‏ صواحب الحمامات‏؟‏ قلن‏:‏ نعم‏.‏ قالت‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏.‏‏.‏‏.‏ فذكرته قال الحاكم صحيح وأقره الذهبي‏.‏

2851 - ‏(‏الحواميم‏)‏ أي السور التي أولها حم ‏(‏ديباج القرآن‏)‏ أي زينته وفي القاموس الديباج النقش وهو فارسي معرب فيقال بكسر الدار وقد تفتح‏.‏

- ‏(‏أبو الشيخ ‏[‏ابن حبان‏]‏‏)‏ الأصبهاني ‏(‏في‏)‏ كتاب ‏(‏الثواب‏)‏ أي ثواب الأعمال ‏(‏عن أنس‏)‏ بن مالك ‏(‏ك عن ابن مسعود موقوفاً‏)‏‏.‏

3852 - ‏(‏الحواميم روضة من رياض الجنة‏)‏ يعني السور التي أولها حم لها شأن وفضل يوصل إلى روضة من رياض الجنة قال الزمخشري‏:‏ وفيه حديث ابن مسعود إذا وقعت في آل حم فكأني وقعت في روضات دمثات فنبه المصطفى صلى اللّه عليه وسلم على أن ذكرها لشرف منزلتها وفخامة شأنها عند اللّه مما يستظهر به على استنزال رحمة اللّه تعالى الوصلة إلى الحلول بدار رضوانه ومن زعم أن حم اسم من أسماء اللّه ففيه نظر لأن أسماءه تقدست ما منها شيء إلا وهو صفة مقصودة مفصحة عن ثناء وتحميد وحم ليس إلا حرفين من حروف المعجم فلا معنى تحته يصلح لكونه بتلك المثابة‏.‏

- ‏(‏ابن مردويه‏)‏ في التفسير ‏(‏عن سمرة‏)‏ بن جندب ورواه عنه أيضاً الديلمي فما أوهمه عدول المصنف لابن مردويه من أنه لم يره مخرجاً لأحد من المشاهير الذين وضع لهم الرموز عجيب‏.‏

3853 - ‏(‏الحواميم‏)‏ أي سورها ‏(‏سبع وأبواب جهنم تجيء كل حم منها‏)‏ يوم القيامة ‏(‏نقف على كل باب من هذه الأبواب ‏[‏ص 423‏]‏ تقول اللّهم لا تدخل هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرأ بي‏)‏ بباء موحدة بخط المصنف في الدنيا أي تقول ذلك على وجه الشفاعة فيه فيشفعهما اللّه تعالى في كل من آمن بها وكان يقرؤها في الدنيا والتعبير بكان يشعر بأن ذلك إنما هو لمن دوام على قراءتها‏.‏

- ‏(‏هب عن الخليل بن مرة‏)‏ بضو الميم وشد الراء ‏(‏مرسلاً‏)‏ هو الضبي نزيل الكوفة قال أبو حاتم‏:‏ غير قوي مات سنة 160‏.‏

3854 - ‏(‏الحور العين خلقن‏)‏ أي خلقهن اللّه في الجنة ‏(‏من الزعفران‏)‏ أي من زعفران الجنة فإذا أراد الإنسان أن يتخيل حسنهن ينظر إلى أحسن صورة في الدنيا رآها أو سمع بها ثم ينظر مم خلقت ومعلوم أنها من طين أسود يؤطأ بالارجل فما الظن بمن خلق من زعفران الجنة لكن نساء الدنيا إذا دخلنها كن أفضل منهن كما جاء مصرحاً به في خبر الطبراني ‏.‏

في فتاوى المؤلف الحديثية أن الحور والولدان والزبانية لا يموتون وهم ممن استثنى اللّه في قوله ‏{‏إلا من شاء اللّه‏}‏ وأما الملائكة فيموتون بالنص والإجماع ويتولى قبض أرواحهم ملك الموت ويموت ملك الموت بلا ملك الموت‏.‏

- ‏(‏ابن مردويه‏)‏ في تفسيره ‏(‏خط‏)‏ في التاريخ ‏(‏عن أنس‏)‏ وفيه الحارث بن خليفة قال الذهبي في الذيل‏:‏ مجهول وقال ابن القيم‏:‏ وقفه أشبه بالصواب‏.‏

3855 - ‏(‏الحور العين خلقن من تسبيح الملائكة‏)‏ فكل تسبيحة يسبحها ملك تصير حوراء وقد لا يعارض هذا ما قبله بأن يقال بعضهن خلق من تسبيح الملائكة وبعضهن خلق من الزعفران‏.‏

- ‏(‏ابن مردويه عن عائشة‏)‏‏.‏

3856 - ‏(‏الحلال‏)‏ ضد الحرام لغة وشرعاً ‏(‏بين‏)‏ أي ظاهر واضح لا يخفى حله وهو ما نص اللّه أو رسوله وأجمع المسلمون على تحليله بعينه أو جنسه ومنه ما لم يرد فيه منع في أظهر الأقوال ‏(‏والحرام بين‏)‏ واضح لا يخفى حرمته وهو ما نص أو أجمع على تحريمه بعينه أو جنسه أو على أن فيه عقوبة أو وعيداً ثم التحريم إما لمفسدة أو مضرة خفية كالزني ومذكي المجوس وإما لمفسدة أو مضرة واضحة كالسم والخمر وتفصيله لا يحتمله المقام ‏(‏وبينهما‏)‏ أي الحلال والحرام الواضحين ‏(‏أمور‏)‏ أي شؤون وأحوال ‏(‏مشتبهات‏)‏ بغيرها لكونها غير واضحة الحل والحرمة لتجاذب الأدلة وتنازع المعاني والأسباب فبعضها يعضده دليل التحريم والبعض بالعكس ولا مرجح لأحدهما إلا خفاء ومن المشتبه معاملة من في ماله حرام فالورع تركه وإن حل وقال الغزالي‏:‏ إن كان أكثر ماله الحرام حرمت ثم الحصر في الثلاثة صحيح لأنه إن صح نص أو إجماع على الفعل فالحلال أو على المنع جزماً فالحرام أو سكت أو تعارض فيه نصان ولا مرجح فالمشتبه ‏(‏لا يعلمها كثير من الناس‏)‏ أي من حيث الحل والحرمة لخفاء نص أو عدم صراحة أو تعارض نصين وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس أو استصحاب أو لاحتمال الأمر فيه الوجوب والندب والنهي والكراهة والحرمة أو لغير ذلك إنما يعلمه قليل من الناس وهم الراسخون فان تردد الراسخ في شيء لم يرد فيه نص ولا إجماع اجتهد بدليل شرعي فيصير مثله وقد يكون دليل غير خال من الاحتمال فيكون الورع تركه كما قال ‏(‏فمن اتقى‏)‏ من التقوى وهي لغة جعل النفس في وقاية مما يخاف وشرعاً حفظ النفس عن الآثام وما يجر إليها وهي عند الصوفية التبري مما سوى اللّه وعدل إلى التقى عن ترك المرادف له ليفيد أن تركها إنما يعتد به في استبراء في الدين والعرض إن خلا عن نحو رياء ‏(‏المشبهات‏)‏ بميم أوله بخط المصنف أي اجتنبها ووضع الظاهر موضع المضمر تفخيماً لشأن اجتناب الشبهات والشبهة ما يخيل للناظر أنه حجة وليس كذلك وأريد هنا ما سبق في تعريف الشبهة ‏(‏فقد أستبرأ‏)‏ بالهمز وقد يخفف أي طلب البراءة ‏[‏ص 424‏]‏ ‏(‏لدينه‏)‏ من الدم الشرعي ‏(‏وعرضه‏)‏ بصونه عن الوقيعة فيه بترك الورع الذي أمر به فهو هنا الحسب وقيل النفس لأنها الذي يتوجه إليها المدح والذم وعطف العرض على الدين ليفيد أن طلب براءته منظور إليه كالدين ‏(‏ومن وقع في المشبهات‏)‏ بميم بخطه أيضاً يعني فعلها وتعودها ‏(‏وقع في الحرام‏)‏ أي يوشك أن يقع فيه لأنه حام حول حريمه وقال وقع دون يوشك أن يقع كما قال في المشبه به الآتي لأن من تعاطى المشبهات صادف الحرام وإن لم يتعمده إما لإثمه بسبب تقصيره في التحري أو لاعتياده التساهل وتجرئه على شبهة بعد أخرى إلى أن يقع في الحرام أو تحقيقاً لمداناة الوقوع كما يقال من اتبع هواه هلك وسره أن حمى الملوك محسوسة يحترز عنها كل بصير وحمى اللّه لا يدركه إلا ذو البصائر ولما كان فيه نوع خفاء ضرب المثل بالمحسوس بقوله ‏(‏كراعٍ‏)‏ أصله الحافظ بغيره ومنه قيل للوالي راعي والعامة رعية وللزوج راع ثم خص عرفاً بحافظ الحيوان كما هنا ‏(‏يرعى حول الحمى‏)‏ أي المحمى وهو المحذور على غير مالكه ‏(‏يوشك‏)‏ بكسر الشين يسرع ‏(‏أن يواقعه‏)‏ أي تأكل ماشيته منه فيعاقب شبه آخذ الشهوات بالراعي والمحارم بالحمى والشبهات بما حوله ثم أكد التحذير من حيث المعنى بقوله ‏(‏ألا‏)‏ حرف افتتاح قصد به أمر السامع بالإصغاء لعظم موقع ما بعده ‏(‏وإن لكل ملك‏)‏ من ملوك العرب ‏(‏حمى‏)‏ يحميه عن الناس ويتوعد من قرب منه بأشد العقوبات ‏(‏ألا وإن حمى اللّه‏)‏ تعالى وهو ملك الملوك ‏(‏في أرضه محارمه‏)‏ أي المحارم التي حرمها وأريد به هنا ما يشمل المنهيات وترك المأمور ومن دخل حمى اللّه بارتكاب شيء منها استحق العقاب ومن قاربه يوشك الوقوع فيه فالمحافظ لدينه لا يقرب مما يقرب إلا الخطيئة والقصد إقامة البرهان على تجنب الشبهات وأنه إذا كان حمى الملك يحترز منه خوف عقابه فحمى الحق أولى لكون عذابه أشق ولما كان التورع يميل القلب إلى الصلاح وعدمه إلى الفجور أردف ذلك بقوله ‏(‏ألا وإن في الجسد‏)‏ أي البدن ‏(‏مضغة‏)‏ قطعة لحم بقدر ما يمضغ لكنها وإن صغرت حجماً عظمت قدراً ومن ثم كانت ‏(‏إذا صلحت‏)‏ بفتح اللام انشرحت بالهداية ‏(‏صلح الجسد كله‏)‏ أي استعملت الجوارح في الطاعات لأنها متنوعة له وهي وإن صغرت صورة كبرت رتبة ‏(‏وإذا فسدت‏)‏ أي أظلمت بالضلالة ‏(‏فسد الجسد كله‏)‏ باستعمالها في المنكرات ‏(‏ألا وهي القلب‏)‏ سمي به لأنه محل الخواطر المختلفة الحاملة على الانقلاب أو لأنه خالص البدن وخالص كل شيء قلبه أو لأنه وضع الجسد مقلوباً وذلك مبدأ الحركات البدنية والإرادات النفسانية فإن صدرت عنه إرادة صالحة تحرك البدن حركة صالحة أو إرادة فاسدة تحرك حركة فاسدة فهو ملك والأعضاء رعيته وهي تصلح بصلاح الملك وتفسد بفساده وأوقع هذا عقب قوله الحلال بين إشعاراً بأن أكل الحلال ينوره ويصلحه والشبه تقسيه وللحديث فوائد جمة أفردت بالتآليف‏.‏

- ‏(‏ق 4 عن النعمان بن بشير‏)‏ قال ابن العربي‏:‏ وقد جعلوا هذا الحديث ثلث الإسلام وربعه وأكثروا في التقسيمات وأكثرها تحكمان تحمل الزيادة والنقص وبالجملة فالمعاني مشتركة ولو قيل إنه نصف الإسلام لكان له وجه من الكلام ولو قال قائل إنه جملة الدين لما عدم وجهاً لكن هذه المعاني مدخلة لمتعاطيها في المتكلفين قال بعض شراح مسلم‏:‏ هذا الحديث عليه نور النبوة عظيم الموقع من الشريعة‏.‏

3857 - ‏(‏الحلال بين‏)‏ أي جلي الحل ‏(‏والحرام بين‏)‏ لا تخفى حرمته بالأدلة الظاهرة أو البين من كل منهما ما استقر الشرع على تحليله أو تحريمه كحل لحم الأنعام وتحريم لحم الخنزير قال الغزالي‏:‏ يظن الجاهل أن الحلال مفقود وأن السبيل ‏[‏ص 425‏]‏ للوصول إليه مسدود حتى لم يبق من الطيب إلا الماء والحشيش النابت في الموات وما عداه فقد أحالته الأيدي العادية وأفسدته المعاملة الفاسدة وليس كذلك بل قال المصطفى صلى اللّه عليه وسلم الحلال بين ولا تزال هذه الثلاثة وإنما الذي فقد العلم بالحلال وبكيفية الوصول إليه اهـ وقال القاضي‏:‏ معنى الحديث أنه تعالى مهد لكل منهما أصلاً يتمكن الناظر المتأمل فيه من استخراج أحكام ما يعن له من الجزئيات وتعرف أحوالها لكن قد يتفق في الجزئيات ما يقع فيه الاشتباه لوقوعه بين الأصلين ومشاركته لأفراد كل منهما من وجه فينبغي أن لا يجترئ المكلف على تعاطيه بل يتوقف حيث ما يتأمل فيه فيظهر له أنه من أي القبيلين فإن اجتهد ولم يظهر له أثر الرجحان بل رجع طرف الذهن عن إدراكه حسيراً تركه في حيز التعارض أسيراً وأعرض عما يريبه إلى ما لا يريبه استبراء لدينه أن يختلّ بالوقوع في المحارم وصيانة لعرضه أن يتهم بعدم المبالاة بالمعاصي والبعد عن الورع كما أشار إليه بقوله ‏(‏فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك‏)‏ فما اطمأن إليه القلب فهو بالحلال أشبه وما نفر عنه فهو بالحرام أشبه قال الحكيم‏:‏ هذا عند المحققين الموصوفين بطهارة القلوب ونور اليقين فأولئك هم أهل هذه الرتبة أما العوام والعلماء الذين غذوا بالحرام فلا التفات إلى ما تطمئن إليه قلوبهم المحجبة بحجب الظلمات‏.‏

روى الحافظ العراقي عن الإمام أحمد بن حنبل أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث حديث الأعمال بالنيات وحديث من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وحديث الحلال بين والحرام بين وقد مر ذلك ونظمه الزين العراقي‏:‏

أصول الإسلام ثلاث إنما * الأعمال بالنيات وهي القصد

كذا الحلال بين وكل ما * ليس عليه أمرنا فردّ

- ‏(‏طص عن عمر‏)‏ بن الخطاب قال الهيثمي في موضع‏:‏ إسناده حسن وقال في موضع آخر‏:‏ فيه أحمد بن شبيب قال الأزدي‏:‏ منكر الحديث وتعقبه الذهبي بأن أبا حاتم وثقه‏.‏

3858 - ‏(‏الحلال ما أحل اللّه في كتابه والحرام ما حرم اللّه في كتابه وما سكت عنه‏)‏ فلم ينص على حله ولا حرمته نصاً جلياً ولا نصاً خفياً ‏(‏فهو مما عفى عنه‏)‏ أي فيحل تناوله وهذا قاله لما سئل عن الجبن والسمن والفراء قال الحافظ الزين العراقي‏:‏ فيه حجة للقائلين بأن الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع الإباحة حتى يتبين التحريم أو الوجوب وهي قاعدة من قواعد الأصول لا يكتفى بهذا الحديث الضعيف في إثباتها‏.‏